التوزيع
أ
تمت الموافقة على نشر هذه المقالة إلى الجماهير
نشرت
ألوثيقة في 30 تموز
2007
مجلة
القوة الجوية
والقدرةالفضائية
|
|
القيادة الواقعية
|
هنالك اختلافاً هامّاً بين الطريقة التي نحيا بها وتلك التي يجب أن نحيا بها بحيث ينتهي الأمر بالشخص، الذي يهمل الحقيقة لدراسة ما هو مثالي، إلى الخراب بدلاً من البقاء.
“ ميكافيللي، الأمير”
تعني القيادة أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين وفي مضامين مختلفة وربما يبرر هذا الأمر وجود سلسلة طويلة من النظريات والنماذج والطرق المحيّرة تتنافس فيما بينها لريادة مفهوم القيادة. ويملك كل دارس مجتهد لموضوع القيادة رأياً شخصياً حولها حتى لو لم يزودنا بسجّل مكتوب عن ذلك حتى الآن. ولا يعني هذا القول بأن القيادة شيء خرافي أو غامض، على الأقل من الناحية النظرية، من وجهة نظر هؤلاء الذين لم يثقلوا كاهلهم بعد بتحقيق نظرياتهم ووضعها قيد التنفيذ. وربما يفسر لنا هذا الأمر قيام عدد كبير من الأشخاص والدارسين بكتابة الكثير عن القيادة حيث يحاول كل منهم إيجاد حلاً سريعاً لها. وليس من العسير كتابة بعض الأفكار التي تبدو منطقية علمية إلى حدٍ ما على الورق. ولكننا بمجرد أن نرفع كل الأوراق التي تغلّف هذه الأفكار ونصل إلى الجوهر، نرى بأن أهم مزايا القيادة أنها تتسبب في إحداث تغييرات إيجابية ونقل الأشخاص من منصب لآخر لإنجاز الأعمال بشكل أفضل والتخلص من أي شيء آخر لا يمت للمهمة أو الهدف الرئيسي بصلة.
ويعني هذا إعادة ترسيخ القيم الجوهرية ووضع رؤيا واضحة وقوية ثم إعطاء الفرصة للأشخاص لتطوير طرق وأفكار أفضل. ولا ريب أنّ أغلب هذه الكليشات والأفكار المكرّرة صحيح ولكن الحقيقة تبقى بأنّ القيادة تستلزم إعطاء الثقة والسلطة للأشخاص الذين يستحقونها وهم الأشخاص الذين يقع على عاتقهم إنجاز الأعمال. والثقة هي العامل الرئيسي الذي يحافظ على تماسك المؤسسات ومنح السلطة للعاملين هو ثمرة هذه الثقة. وفي الحقيقة من الأسهل علينا قول ذلك على فعله.١
ولا يخفى على أحد صعوبة نجاح القيادة ما لم تصاحبها القوة والمهارات والشخصية الفذّة والأداء. وليس من السهل على الشخص أن يكون قائداً وأن يتغلب على التحديات العديدة المزعجة والتي تأتي جنباً إلى جنب مع المنصب القيادي. فلو كان الأمر سهلاً لتنافس العديد على المراكز القيادية. وليس بإمكاننا تعلم الكثير من الدروس المفيدة عن القيادة بالقراءة عنها. فرغم إننا نتمنى الحصول على الحلول ذات التأثير المحدود من الكتب والمقالات إلا أنّه من النادر أن تعوض هذه الطريقة السهلة والسلبية عن أشياء مثل القدرة والموهبة والخلفية والاجتهاد والإبداع وتحيّن الفرص والشخصية والخبرة والشجاعة والرؤيا والاندفاع والقيم والمثابرة والحظ. ولو تمكنا من الحصول على مكامن هذه الأسرار الرائعة وتحويلها إلى كلمات مكتوبة على الورق لأتحنا الفرصة الفورية لقرائها على تعويض عقودٍ من ارتكاب الأخطاء وتضييع الوقت والعادات السيئة وعدم العمل وإعطاء النصائح السيئة وسوء الحظ والكسل.
ولو كان باستطاعتنا الحصول على لقبٍ جذّاب ومتألق لإخفاء شخصيتنا السابقة المملة عن طريق وصفات قد تدعى “ ثمان طرق للقيادة “ أو “ كيف تصبح قائداً خلال ثوان” لنجحنا بإيجاد دواء شافٍ لعدم قدرتنا على القيادة. وهكذا، تبقى القيادة الفورية مجرد حلم جميل حتى في عصرنا هذا الذي تميزه المسرّات الدائمة والانترنت شديد السرعة والمعيشة المرفهة. فلا يوجد هناك علاج ناجع لطرق القيادة البدائية البالية التي يعلوها الصدأ وتبقى الحقيقة التي يكتشفها المدراء وهم في غمرة انفعالهم أنه ليس هناك صيغة فعالة قادرة على تحقيق المعجزات في مجال القيادة. ويدرك الحكماء منّا بأن النجاح في المراكز القيادية هو عملية وليس حدثاً قائماً.
ويحصل من يتسلّم مركزاً قيادياً في يومنا هذا على كيس مليء بالمفاجآت السارّة وغير السارة وتكون محتويات هذا الكيس بمثابة الجائزة التي تُعطى لمن يشق طريق النجاح بنفسه. حيث يأتي الشعور بالرضا الذي عادة ما يشعر به أصحاب المراكز القيادية بالإضافة إلى مزايا هذه المناصب، تأتي كل هذه الأشياء مصاحبة مع الضغوط والمسؤوليات الصعبة. فيتوقّع من القادة إلهام الأشخاص الكسالى واللامبالين القيام بأعمالهم على أحسن وجه وبالتعامل مع الموظفين أصحاب المشاكل والمواقف السيئة بمهارة واتخاذ القرارات الصعبة أو غير المستحبة في أوقات مبكرة والحفاظ على مصداقية عالية وإبعاد التنافس مع أشخاص آخرين وتفسير المواقف غير الصريحة من قبل الإدارة العليا والمحافظة على هدوء الأعصاب خلال مواجهة الرفض أو النقد غير العادل من قبل الآخرين. ٢
وليس من المستغرب أن يحتاج القادة إلى قليل من المساعدة. وبناءً على خبرتنا، سنقوم بإعطاء بعض الدروس التي تعلمناها عن بعض الإستراتيجيات والأساليب والأفكار المعينة لمساعدة القادة على التعايش مع التحديات الفريدة لدورهم. ومن المؤكد أن هذه النصائح لن تعطي نتائج سحرية تحوّل شخصاً شبيهاً بشخصية تلفزيونية فكاهية مثل “هومر سمبسون” إلى قائد عظيم “كإسكندر المقدوني” بين ليلة وضحاها. ومن الأفضل لأي شخص يبحث عن مثل هذا الدواء السحري أن يرمي بهذه المقالة جانباً. وتذكّر، نحن نتحدّث عن القيادة الواقعية وليس عن حلمِ من أحلام اليقظة.
لا يبدأ القادة الناجحون بسؤال أنفسهم “ما هو أفضل شيء بالنسبة لي؟” بل يسألونها “ماذا بإمكاني أن أفعل لكي أتسبب في إحداث تأثير إيجابي؟” مثل هؤلاء القادة يسألون العاملين والموظفين “ ما هي أهداف ومهمّات المؤسسة؟” هل هنالك حاجة لتعديلها؟ ما هي المفاجآت التي يخفيها لنا المستقبل والتي يجب علينا توقّعها؟ ما الذي يمثل الأداء الناجح في مثل هذا الوسط؟ وفي مثل هذه الأوقات المليئة بالتحديات، يجب على القادة تهيئة موظفيهم للتغيير ومساعدتهم على التأقلم مع هذه التغيرات. القادة الناجحون لا يتظاهرون بما هو غير حقيقي وليس بإمكانهم اتخاذ الطرق السهلة القصيرة خلال مراحل دراستهم للوضع الحقيقي بما في ذلك الموارد والمعوقات والاتجاهات والاحتياجات التي لم تلبّى بعد بالإضافة إلى الإمكانيات المخفية والأفكار المتحجرة الخاطئة. وتبقى الحقيقة بأن الشخص العالم والمثقف قد لا يكون بالضرورة قائد ناجح ولكن الشخص المتفهم هو الذي سيصبح قائداً ناجحاً في النهاية. والآن أكثر من أي وقت مضى، لا ينجح القائد إذا ما تقمصّ شخصية الدكتاتور المستبد. فللأشخاص الذين يقعون تحت قيادته احتياجات إنسانية وفي العصر الحالي، يحتاج العاملون إلى من يتعامل معهم باحترام ولطف ويحافظ على كبريائهم.
يحتاج الناس ويطالبون بمعرفة إذا ما كان القائد يهتم بهم وإذا ما سيبذل جهده لمساعدتهم على إنجاز عملهم. أمّا القادة الذين ينتمون للمدرسة القديمة التي أنجبت قواداً مثل الجنرال باتون (General Patton) والذين يصرون على فرض طريقتهم رغم أنوف العاملين معهم فسرعان ما سيفقدون مصداقيتهم لدى هؤلاء العاملين.
وأهم ما يميز أماكن العمل في القرن الواحد والعشرين المرونة وتفهم الظروف الفردية والتصميم والإرادة بدلاً من القيادة عن طريق النموذج الاستفزازي. و كما لا يتمكن الأشخاص من القيادة من خلال وقوفهم في الأماكن الخلفية فلن يتمكنوا بالتأكيد من النجاح في مركزهم القيادي بقيامهم برفس موظفيهم، في يومنا هذا على الأقل. وهذا درس قاسٍ. فالأساليب التي قد تكون قد نجحت قبل عقود أو قرون أو آلاف من السنين لن تكون مضمونة النجاح في هذا اليوم وهذا العصر. حيث تحتاج هذه الأساليب إلى تعديل جذري قبل دمجها في أسلوب القيادة العصري. ففي النهاية، ليست القيادة بمسألة رياضية أو معادلة فيزيائية تترابط فيها الجزيئات وتتناثر فيها الأرقام لتكوّن عالماً من المبادئ غير المؤكدة. فالمسألة كلها تصبّ في مجال الأشخاص والأشخاص يتغيرون دونما توقف. وإذا لم يتمكن القائد من إدراك هذه الحقيقة أو رفض إدراكها فسرعان ما سيكتشف أن ليس هناك من يتبعه. ما السبب يا ترى؟ فقد
نجحت هذه الطريقة مع أشخاص آخرين فلماذا لا تنجح معي؟٣
لا تنجح الأساليب التي أثبتت فاعليتها في الماضي مع الموظفين في أماكن العمل في يومنا هذا. ويعود السبب في ذلك بشكل جوهري إلى ما يتوجب على القادة فعله لكي ينجحوا في مراكزهم القيادية اليوم. ويختلف الأشخاص الذين يبدأون حياتهم الوظيفية ويشكلون القوة العاملة اليوم عن أولئك الذين بدأوا حياتهم الوظيفية من أسفل السلم الوظيفي حتى وقت قريب لا يتعدى العقدين من الزمن. ويشكل هذا الاختلاف ما بين موظفي الأمس واليوم تحدياً للقادة تختلط فيه الجوانب السلبية بالإيجابية. حيث يملك موظفو اليوم قابلية أقل على الانتباه ودراية أقل حول المقاييس الصارمة وخبرة أقل فيما يتعلق بالأعمال والمهمات الطويلة والشاقة. وقد يفتقر موظفو اليوم الشباب إلى الخبرات الأساسية والخلفية الثقافية التي كانت تعد في السابق أمراً مسلّما به رغم حصولهم على الدبلومات والشهادات الجامعية والعليا. فقد تغير نظامنا التعليمي وابتعد عن التركيز على تعلم الحقائق والحفظ ومبادئ القراءة والكتابة والرياضيات والإملاء والقواعد والمنطق وإلى ما ذلك من مبادئ التعليم الأساسية وأصبح المتخرجون الآن يركزون على التفكير النقدي (critical thinking) والتعليم التصحيحي والتدريب قبل أن يرفعوا أداءهم العملي لمستوى مقبول في العديد من الوظائف. وأصبح من الضروري على القادة توفير هذا النوع من التعليم والتدريب. ولا تصبح البيئة التعليمية الحالية ممكنة اليوم إلا إذا ما قامت على أساس التفكير النقدي. فلماذا؟ لأنه عندما يتمرّن الطلاب على التفكير أثناء تعلمهم للكفاءات يصبحون في موقف أفضل يؤهلهم لتطبيق ما تعلموه في حياتهم اليومية وعملهم. ويحتاج الناس إلى التفكير النقدي في عالم يتعرض يومياً إلى التغيير وزيادة التعقيد لتحقيق البقاء الاقتصادي والاجتماعي والعسكري والثقافي.
ويملك المتخرجون الشباب والموظفون الجدد اليوم خبرة تقنية أكثر من الجيل الماضي وباستطاعتهم تعليم قادتهم شيء أو أشياء عديدة عن البحوث القائمة على الكومبيوتر وبرامج الكومبيوتر وعدد كبير من الأدوات الحديثة الهامة. وباستطاعة المتخرجون الجدد التعامل مع كافة أشكال الاتصالات اللاسلكية وطرق الحاسبات فائقة السرعة بسهولة تذهل القادة من الجيل الأكبر الذين قد يرتعبون عند سماعهم أنّ هناك فأراً في مكتبهم. وعلى القائد الجيد أن يتواضع ويحاول الاستفادة القصوى من هذا الجيل المتميز تكنولوجيا محاولاً في الوقت ذاته تعليم هذا الجيل بعض مبادئ الكتابة والأسس الثقافية والاجتماعية.
وليس باستطاعة القادة المعلمون افتراض أي شيء عن “المجندين” الجدد فيما يتعلق بالثقافة والمهارة أو الطباع الشخصية. والأمر الوحيد الذي بالإمكان التسليم به هو أن هؤلاء الشباب بشر وأنهم سيصيبون قادتهم بدهشة قد تكون مفرحة أو مزعجة. وإذا ما ظهر أنّ الموظفين الجدد أو حتى القدماء يفتقرون إلى مبادئ العمل الأخلاقية الجيدة ولا يحترمون الغير وغير مؤدبين فلن يتمكن أي مدير مهما كانت قوته تغييرهم بقيامه بإعطاء بعض الأوامر هنا وهناك. وللأشخاص رغبة متأصلة وحاجة فائقة لتحقيق النجاح وعلى القائد العصري إيجاد السبيل الصحيح لاستخراج هذه القابلية الكامنة لدى كل فرد وغالباً ما يحتاج هذا الأمر لقدر كبير من التعليم وتدريس المهارات الأساسية في مكان العمل. ولن يفلح الصراخ والتهديد وتعريف الآخرين بأنهم “ مفصولون عن العمل” أو بأنهم “ ليسوا في المكان المناسب”، في التعويض عن عقود من الأولويات التعليمية والثقافة المعدلة التي قد لا تتماشى أحياناً مع ما يريده القائد من الموظفين. ويبقى التدريس والتعليم من أهم العوامل التي تشكل جوهر عمل القادة اليوم ويستمر هذان العملان مع القائد طيلة فترة تعامله مع موظفيه. (ولهذا السبب سنتطرّق إلى مضمون التعلّم الدائم في هذه المقالة فيما بعد). وإذا ما تجاهل الشخص التدريس أو التعليم لفترة طويلة، سيحل محل القائد شخص آخر أصلح لكرسي قائد القرن الواحد والعشرين.
يعود فشل القادة أو إخفاقهم بشكل رئيسي إلى عدم اكتشافهم أو معالجتهم لما يعرف بعَقِب أخيل(Achilles’ heel) وهو نقطة ضعف خطيرة تعكس بشكل سلبي كافة الإمكانيات الإيجابية التي قد يتمتع بها القادة. وعليه فقد تكون أحد أهم الخطوات التي يتوجب على القائد اتخاذها هي العثور على أي ضعف قد يهدد مستقبله العملي والقيام بتصحيحه. وهذا عمل مؤلم وشاقٍ وغير مسلٍ لذا يبتعد عنه معظم الناس. ولن نتمكن أبداً من تصحيح النواقص أو الضعف المتأصل فينا بواسطة وصفة سحرية للقيادة الناجحة ترد في مقالة نقرأها ونحن مسترخون في مقاعدنا. فإذا لم نواجه نواقصنا وأخطاءنا سنقامر بأنها ستواجهنا يوماً وتهدّ كل ما بنيناه في لحظة واحدة ولن تنفعنا حينئذ صرخات الندم ونحن ننظر إلى حياتنا الوظيفية الزاخرة بالإنجازات وهي في طريقها إلى الانهيار.
والتعبير البلاغي “عَقِب أخيل” (Achilles’ heel) هو تعبير عقيم لأن أخيل الأسطوري نفسه كان نصف إله وأعظم محارب في التاريخ وجيش يتكوّن من رجل واحد قادر على تحقيق النصر في الحروب بقدراته التي لا مثيل لها ولأي جهة يفضلها. وكان باستطاعة أخيل أن يدحر بطل العدو الرئيسي حتى هكتور طروادة (Hector of Troy) وبعد دحره للعدو كان يتخطى أكثر العقبات صعوبة. ومع هذا بقي عَقب قدمه الشهير يرافقه في مسار انتصاراته الرائعة وخذله في النهاية وهو على قمة نصره على طروادة حيث تسنى لجندي حقير من جنود العدو أن يقتله. وإذا ما تمكن عقب قدم تافه من أن يخذل عبقري عسكري ويلقيه من فوق قمة قوّته فمن الأفضل لجميع القادة أن يبحثوا بحذر عن أي مواقع ضعف من شأنها أن تهدّد نجاحهم الشخصي. ولا يعني هذا أن البحث الشخصي سهل أو مسلٍ. فلا يحب أي شخص، بما في ذلك أخيل (Achilles) نفسه، أن يواجه نقاط ضعفه وخاصة تلك المتأصلة والقاتلة والتي من شأنها أن تؤدي إلى الفشل الذريع. وأحياناً لا نتمكن من إدراك أسوأ نقاط الضعف لدينا ونحن بكامل وعينا لسبب بسيط هو أنه من الأسهل علينا أن نتجاهل هذه النقاط ونتظاهر بأن كلّ شيء على ما يرام على مواجهة هذا الضعف الداخلي ومحاولة القضاء عليه. وعلاوة على هذا، لا تظهر بعض نقاط الضعف في الشخصية للعيان إلا أمام مجموعة من الظروف والمواقف غير الاعتيادية التي قد تواجهنا مرة أو مرتين على الأكثر كلّ حياتنا وقد لا تواجهنا أبداً. ومن الصعب علينا أن ننظر إلى أنفسنا ونتفحصها لفترة طويلة أمام مرآة مضيئة لنتعرّف على نقاط الضعف التي عادة ما تكون متخفية بشكل جيد. ويستلزم هذا البحث والفحص تحليلاً منهجياً لذكريات غالباً ما تكون مؤلمة لأحداثٍ جرت فيها الرياح بما لا تشتهي السفن. كيف ومتى حدث هذا؟ ولماذا حدث؟ وهل حدث ثانية أو سيحدث مرة أخرى؟
بإمكاننا جميعاً انتقاد العديد من القادة بسهولة بما في ذلك القادة العظام وغير العظام السابقون والحاليون وتصنيف أخطائهم التي قللت من شأنهم كقادة. ونستطيع أن نفعل هذا مع كلّ القادة ابتداءاً من يوليوس قيصر ومروراً بهنيبعل (Hannibal) واسكندر العظيم ورونالد ريغان وبيل كلينتون وجورج بوش حيث يسهل علينا معرفة وذكر أخطائهم بشكل يجعلنا نتساءل عن السبب الذي منعهم من معرفة هذه الأخطاء وتصحيحها. فكيف لم يتمكن هؤلاء القادة من رؤية أخطائهم الواضحة؟ ولماذا يقوم مثل هؤلاء القادة الناجحين ذوي الخبرة البارزة بأخطاء فادحة مراراً وتكراراً في الوقت الذي تبدو النتائج العكسية لأخطائهم واضحة وجلية لدينا نحن المتفرجون فتجعلنا نضحك على حساب هؤلاء الأولاد الكبار؟ ولكن عندما يحين دورنا لمساعدة أنفسنا بوضع شخصيتنا تحت المجهر، تصبح اللعبة فجأة أكثر تحدياً من مجرد تسلية.
وقد يكون من المستحيل علينا القضاء على أعظم نقطة ضعف لدينا خاصة إذا ما تكونت هذه النقطة خلال سنواتٍ من الخبرة. وفي الحد الأدنى، يتوجب علينا أن نتعرف على ونبتعد عن الإغراءات والأوضاع والظروف التي من شأنها أن تخرق هذا الضعف وتؤدي إلى انهيارنا. ومن خلال معرفتنا لوجود وطبيعة عَقِب أخيل لدينا، نستطيع أن نكون على أهبة الانتباه عندما تنطلق صفارات الإنذار محذرة من اقتراب التشكيلة الخاصة من الأوضاع الخطيرة وبهذا نستطيع توخي الحذر والاحتراس كي لا ننهزم أمام ضعفنا. وفي روايته "صورة دوريان غراي" (The Picture of Dorian Gray) قال أوسكار وايلد (Oscar Wilde) عبارة شهيرة ولكنها خاطئة بأنّ “ أفضل طريقة للتخلّص من الإغراءات هي الانصياع لها” وفي الواقع فأن أفضل علاج لذلك هو فهم الإغراء ومسبباته والمحاولة الجادة في الابتعاد عن هذه المسببات والتيقظ ضد أول علامات الخطر ثم مقاومة الاستلام بكل ما نملك من قوة.٤ وإذا لم نفعل شيئاً حيال تلك الأمور سيبدأ الناس بالكلام حول فشلنا ويهزون رؤوسهم أسفاً لكوننا قد تسببنا في انهيار حياتنا العملية نتيجة أخطاء بليدة وواضحة كلياً (للآخرين) كان يجب علينا أن نتفاداها. ويبقى العثور على عَقِب أو أعقاب أخيل ومعالجتها أحد أفضل ما يمكن فعله لأنفسنا وموظفينا ومنظماتنا.
عندما كنّا أطفالاً صغاراً، كنّا نعتقد بأن القيادة نعمة لا مثيل لها تتلخص في استطاعة القائد أن يفرض كلمته ويفعل ما يشاء في كلّ الأوقات. وقد يكون هذا وصفاً عادلاً للدكتاتور الذي يحكم رعيّته بقبضة من حديد ويثير الرعب والخوف أينما حلّ. ويعيش مثل هؤلاء الطغاة ويموتون بالعنف والخوف ولا مكان لأساليبهم في مجتمعنا الحر المتحضر هذا حتى ولو تخيّل بعض المصابين بجنون العظمة بأنهم ملوك نزلوا من السماء ليحكموا في مجالهم الصغير. ومن المفارقات أنّ في عالمنا اليوم وثقافتنا العصرية التي تنصب على الاهتمام بالنفس وحبّها وتحقيق الذات، يقوم القادة الناجحون بخدمة الآخرين قبل خدمة أنفسهم. فينبغي على القائد مراعاة مصلحة الأشخاص ووضعهم في المقدمة في الوقت الذي يضع مثل هؤلاء القادة مصالحهم جانباً مركّزين على ما هو الأفضل والأحسن للموظفين والمؤسسات والثقافة.
ومفهوم القيادة الخدمية قديم قدم الإنسانية ولكننا مجبرون على تعلّمه جيلاً بعد جيل. وتبدو العملية متخلفة ، لأن على القائد أن يضع متطلبات ومزايا العرش جانباً ليبقى على القمة وكأنه يتنازل عن العرش ليحافظ عليه. ولكن القيادة الأصيلة لا تمكننا من خدمة أنفسنا ولا يقوم القائد الحقيقي بتعظيم وتبجيل نفسه ولكنه يقوم بنقل الأشخاص من مواقعهم خدمة للمصلحة العامة وليس خدمة لمصلحته الشخصية الخاصة والتافهة. ولا يسود القادة، في عالم يتوقع فيه الناس أن يأتوا في الدرجة الأولى، إلا باهتمامهم بالمصالح العامة الكبرى للآخرين بما فيهم الزملاء والموظفين والعملاء والمجتمع. وبالطبع سيقوم القائد بمرور الزمن بنقل اهتمامه بمصلحة الجميع إلى موظفيه فيحفزهم على العمل دون التفكير بالمصلحة الذاتية أو الشخصية محولاً بذلك كل المؤسسة إلى مؤسسة خدمية ولكنه يجب أن يطبق هذا المبدأ على نفسه أولاً قبل أن يطبقه على الآخرين.٥
التواضع هو أن يحس الإنسان بأهميته دونما غرور وهذا أساس القيادة الواقعية. وسيكون من الصعب على الأشخاص الذين اعتادوا على الاعتداد بنفسهم منذ الصغر أن يتواضعوا ويضحّوا بمصلحتهم الشخصية لأن هذا التواضع يتناقض مع شخصيتهم. وهذا ما يزيد من أهمية التواضع الذي يعد من الصفات الرئيسية للقائد الناجح والمنتج. وبالطبع فالأمر ليس سهلاً أو واضحاً ولكنه فعالاً ومؤثراً. ولن نستطيع النجاح في خدمة الآخرين وبالتالي النجاح في عملنا كقادة إلا إذا تمكنا من الخروج من نطاق عالمنا الشخصي الضيق والتخلي عن أنانيتنا والبحث عن الطريقة المثلى لخدمة الآخرين ومراعاة مصالحهم. وقد يأمر الدكتاتور أتباعه بنصب تمثال ضخم له في ساحة المدينة ولكن هذا التمثال، الذي يعكس جنون العظمة لدى هذا الدكتاتور، سيهدم ويدمر ربما بأيدي نفس الأتباع الذين قاموا بتشييده. والذكرى الوحيدة الأبدية التي ستبقى بعد رحيل القادة هي تلك التي صنعها الإخلاص التام لشيء أعظم من القادة أنفسهم وذاتهم الشخصية.
ويختلف نوع القيادة التي يفكر فيها القائد بالآخرين قبل أن يفكر بنفسه اختلافاً كبيراً عن “الصديق المفضل” و”جليس الأطفال”. فقد يظن البعض خطأً أن تدليل الموظفين وإنماء بل وتضخيم اعتدادهم بنفسهم هو نوع من أنواع القيادة الناجحة. ولن يستفيد أي شخص من النزول بمستوى أداء المؤسسة أو تحويل حماس المؤسسة على العمل إلى الفشل خدمة لمصلحة وراحة الموظفين. فالقيادة الحقّة تتطلب الاعتراف بحقيقة أنفسنا وحقيقة العاملين معنا والمتنافسين معنا وعملائنا وثقافتنا ومن ثمّ الإصرار على إيجاد الطريقة المثلى للتعاون والتنسيق لجعل هذه الحقيقة ناجحة في منظمتنا. وليس بإمكان أي شخص التوصل إلى هذه النتيجة بالعمل الردئ والمقاييس المتدنية وتحمل الطباع الشخصية غير المحتملة أو إيجاد الأعذار للتصرفات غير المقبولة. وسيستجيب الناس في نهاية الأمر بشكل إيجابي ومناسب للقائد الذي يضحي بمصلحته الشخصية والذي لا يتنازل عن تحقيق أفضل الجهود وأعلى مستوى من الإنتاج للكل ابتداءً من القائد نفسه ونزولاً حتى أحدث موظف بين الموظفين وأقلهم خبرة.
ولاشك أن الموظفين المدللين والمعجبين بأنفسهم لدرجة مثيرة للسخرية ستصعقهم الدهشة عندما يخبرهم شخصاً ما (وربما لأول مرة في حياتهم) بأنّ أدائهم الوظيفي أدنى من المستوى المطلوب. وبالرغم من ذلك فبمجرد ما يدرك الجميع، بما في ذلك القائد نفسه، بأن عليهم الإذعان لمقاييس العمل الإنتاجية العالية دونما جدل أو هزال فسيتماشون بل ويفتخرون لأنهم في النهاية حققوا وفاقوا هذه المقاييس. والثقة العالية بالنفس قد تصبح أنانية كاذبة إلا إذا ما قامت هذه الثقة على أساس مادي وسندرك في النهاية بأن المديح الذي لا نستحقه سيؤذينا أكثر مما يفيدنا. وقد تعلم الموظفين جيلاً بعد جيل بجهد وبشق الأنفس، بعد أن عملوا في وظائف تتشابه ظروفها وظروف معسكرات التدريب الأساسي، أنّ بإمكانهم تحقيق قيم عظيمة بقيامهم بالغور في أعماقهم للتغلب على أكثر التحديات صعوبة في حياتهم. وعلاوة على ذلك، فستفوق السعادة المصاحبة للشعور الحقيقي بالفخر والعمل الرفاقي الذي يصاحب تحقيق النصر الشخصي والجماعي للمؤسسة، تلك السعادة التي تصاحب المديح الذي يأتي في غير محله من قبل المدراء الذين يغدقونه بحسن نية على موظفين لا يستحقونه. فالمزايا والمكافآت المعنوية التي نحصل عليها باستحقاق عن طريق العمل الدؤوب الجاد والشاق والتفكير والنضال والجهد، تحقق الرضا الشخصي أكثر من تلك التي تعطى لنا. وفي هذا المجال، تعد مزيّة المقاييس العالية والتطلعات العالية للجميع أفضل وأعظم مزيّة يمكن لقائد حقيقي أن يعكسها للموظفين.
يستطيع الشخص أن يجزم بأن القادة لا يولدون ولا يُصنعون ولكنهم يصبحون قادة بالتطوير والدراسة والتدريب والخوض في سلسلة خاصة من التجارب والخبرات. ويوفر التعليم والتدريب الخصوصي (Mentoring)
بداية جيدة لمسيرة القائد. والتعليم الخصوصي عبارة عن عملية تدريسية تبدأ بتربية الوالدين وتستمر خلال الدورة الحياتية من العلاقات الشخصية والعملية. ويجب أن لا ننسى أنّ التعليم والتدريب الخصوصي هو حاجة إلزامية وميزة يحظو بها القادة. وهو شيء يُعطى للناس. فمن خلال هذا التعليم يوفر القادة لأتباعهم النصائح التي تساعدهم على اتخاذ قرارات راجحة وصحيحة. وينقل القادة أيضاً بالتعليم والتدريب، الحكمة والخبرة التي اكتسبوها طوال حياتهم الوظيفية إلى موظفيهم.
وتتضمن هذه العملية نقل المبادئ والتقاليد والقيم المتشاركة والمزايا والدروس المكتسبة إلى الغير ومناقشتها معهم. ويوفر التعليم الخصوصي مجالاً لإحداث تغيير ثقافي في وجهة نظر المؤسسة تجاه التطوير والتدريب المهني للأشخاص ذوي الكفاءة. وفي معظم المؤسسات اليوم، يجب على الأشخاص أن يسلكوا طرقاً شاقة ووعرة للوصول إلى القمة ولا يستطيع أحد الوصول إليها بطريقٍ ممهّد ولن يحمله أي شخص آخر إليها. ويوفر التعليم الخصوصي الإرشاد والتمرين اللازمين للأشخاص ويساعدهم على التحرك في الاتجاه الصحيح. ومن الواضح أن التعليم الخصوصي هو وسيلة فعالة تساعدنا للوصول إلى وجهتنا التي نسعى إليها.
وربّما يكون التعليم الخصوصي قد أصبح أحد أقوى الوسائل التي نستطيع من خلالها تهيئة التطوير المهني لموظفينا بل وأصبح كلمة رنّانة تطلق في الجو دونما اكتراث، كما هو الحال مع غمامة من قاموس الكلمات الأخرى غير الرسمي وغير المكتوب، يطلقها أولئك الذين يعتبرون أنفسهم من روّاد القيادة والإدارة الحديثة. والتعليم الخصوصي في معناه الصحيح الحقيقي هو أكثر من مجرّد قصاصة من الكاريكاتير المنشور في جريدة الأمس. فبالإمكان بل ومن الضروري تعديل التعليم الخصوصي ليصبح مناسباً لتلبية الاحتياجات الخاصة وأوضاع كلا الطرفين في عملية التعليم. ويجب أن تكون عملية التعليم مرنة وقابلة على التطبّع كما هو الحال مع الأشخاص أنفسهم. ويأتي مفهوم التعليم الخصوصي اليوم معاكساً لنظرية وعقلية المدارس القديمة التي تؤمن بالحجم الواحد الذي يناسب الجميع وبالقالب الواحد الذي يصنع أشكالاً متشابهة . فللتعليم الخصوصي اليوم قابلية على التكيّف مع الظروف الشخصية وهي قابلية مثالية للبيئة العصرية. وعليه، يعدّ التعليم الخصوصي بمثابة آلة زمنية تمكننا من إرساء قواعد يستمر تأثيرها سنوات من الآن وتسمح لنا أن نُحدث تأثيرات هامة في حياة الأشخاص.
والمعلم الخصوصي هو مستشار يثق به الأشخاص ومدرّس وباحث اجتماعي وصديق وأب ويكون عادة أكبر سنّاً وأعلى منصباً في المؤسسة من الشخص الذي ينشد التعليم منه ويكون المعلم الخصوصي موجوداً عندما يحتاج الناس إلى مساعدته في عملية مستمرة لا تقتصر على جلسة رسمية واحدة. ونظراً للقيمة المعروفة للتعليم الخصوصي أصبح روتيناً في العديد من المؤسسات مما جعله تمريناً غير ذي معنى يفرض على الأشخاص من قبل المدراء الذين وضعوه على قائمة أعمالهم الوظيفية. وعندما يفقد التعليم الخصوصي جوهره وخاصيته يصبح عاجزاً عن التأثير شأنه كشأن أي وصفة سرية سريعة المفعول نقلتها القيادة دونما تفكير عن كتاب كُتب للقادة الفاشلين. ويمكن للتعليم الخصوصي الحقيقي أن يسري في مجتمعنا على جميع القادة والمدراء الذين ينجزون الأعمال عن طريق الموظفين العاملين تحت إشرافهم. ويختلف التعليم الحقيقي عن الترقيع الروتيني. فالمعلمون الذين يبذلون جهدهم لتوفير التعليم الخصوصي الصحيح للأشخاص سيقطفون ثمرة جهدهم يوماً ما عندما يشاهدون تلامذتهم السابقين وقد تحوّلوا إلى معلمين خصوصيين.
ويحدث إعطاء النموذج المثالي للتصرف المناسب، وهو أحد أهمّ أركان التعليم الخصوصي الجيد، عندما يستعرض القائد للتلميذ ما يتوقعه منه بالضبط. وهو تمرين مستمر يعلّم فيه القائد تلميذه أن يحذو حذوه وأن يتبّع خطاه وهذه لعبة لا تتوقف أبداً. ولطالما رأينا قادة يعتبرون أنفسهم معفوين من قواعد وقوانين اللعبة التي تسري على الجميع. ويؤدي اعتقاد بعض القادة بأن لهم حقوقاً خاصة، إلى الفساد والفضائح ويدمّر الأفراد والمؤسسات. ولن ينجح القائد المختبئ وراء قناع مزيّف من الإخلاص الذي يخفي تحته انعدام الشرف والأخلاق وعدم الانصياع للقانون، لن ينجح هذا القائد سوى في تعليم الأشخاص كيف يصبحوا مثل ما عليه من انعدام الأخلاق وذلك لأن مثل هذه الخصائص الفاسدة سرعان ما ستنكشف وتدمر المؤسسة على كافة المستويات.
ويجب على المعلم الخصوصي الحقيقي أن يساوي مابين طلبه من الأشخاص أن ينفذوا أوامره و طلبه في أن يفعلوا مثلما يفعل. فالطلبان متشابهان تماماً بغض النظر عن الوقت والمكان أو الظروف. وقد لا يكون من الملائم أو المريح للقائد أن يصبح كما يطلب من موظفيه أن يصبحوا وأن يفعل كل ما يطلب من الموظفين عمله ولكن هذا بالضبط ما تتطلبه القيادة الحقيقية دون نقاشٍ أو جدل.
والشعور بأننا كقادة سنحدث أثراً حتى ولو على تلميذ متمرن واحد، هو شعور يعد من أثمن المكافآت المعنوية التي يحصل عليها القائد. وقد لا تكون النتيجة كبيرة أو برّاقة وقد لا يراها أحد سوى التلميذ نفسه ولكنها ستكون بارزة الأهمية لهذا التلميذ. وهذا النوع من القيادة لا يشابه عمل الساحر الذي يحدث تغييرات سحرية يتمناها الناس بل هو عمل يحدث تغييرات هامة شخصية ببطء وصمت.٦
يدرك القادة الناجحون بأن المؤسسات لا تنمو إلا إذا نمى الموظفون فيها بما في ذلك القائد وكل شخص في المؤسسة. ويعني التعليم المستمر أو التطوير المهني بأننا سنتعلّم عمل شيء لم نكن نستطيع عمله من قبل. ويتطلب هذا إنماء وتطوير قدرة أكبر وثقة بنفسنا وبالآخرين. ويجب على القادة اليوم، أكثر من أي وقت آخر، ضمان الحفاظ على التطوير المهني كنشاط مستمر كما ذكرنا في جزءٍ آخر من هذا المقال عمّا يستطيع فعله القادة. ولا يعني هذا الذهاب إلى المدرسة مرة واحدة فقط في الحياة ومن ثمّ وضع التعليم جانباً إلى الأبد، بل يعني أن نبقى في المدرسة طوال حياتنا.
أن تطوير الأشخاص بشكل حقيقي بكلّ ما يتطلبه من جهدٍ فردي، لهو شيء جوهري يعكس وجهة نظر المؤسسة في نفسها ووجهة نظر القادة والعملاء والمتنافسين والزملاء فيها. وتطور المؤسسة من قدراتها من خلال التعليم المستمر وتعزيز كل شخص من الداخل إلى الخارج والعمل بنفس الطريقة لتحسين جميع أفراد موطفي المؤسسة. وإذا لم يضع القادة الحقيقيون التعليم المستمر نصب أعينهم فلن يتمكنوا من توفير القدرة لأفرادهم على تحقيق الهدف الرئيسي الذي يتغير باستمرار تحت ظروف تتغير بدورها باستمرار. ونظراً للحياة المعقدة في عالمنا اليوم، ليس هناك من شك في أنّ التعليم والتكيف المستمرين مرتبطان مباشرة وضروريان للغاية لتحقيق نجاح طويل الأمد.٧
لا تقرأ الفزّورة التالية إذا كنت قد سمعتها أكثر من 43 مرّة. كم طبيباً نفسانياً نحتاج لتغيير ضوء المصباح الكهربائي؟ الجواب بسيط. نحتاج لطبيبٍ واحد فقط ولكنها عملية مكلفة جداً وتستغرق وقتاً طويلاً ويجب أن يكون الضوء بحاجة للتغيير. ومع هذا، فعلى خلاف تغيير ضوء المصباح الكهربائي، لا يتطلّب تنفيذ التغيير وقتاً طويلاً، فمن الممكن أن يحدث بسرعة كبيرة في بعض الأحيان وقد يستغرق وقتاً طويلاً أحياناً أخرى. وينطبق هذا على جميع أشكال التغيير سواء كانت جيّدة أو سيئة. ويسعى العدد الكبير من القادة لمضاعفة التغيير الجيد والحد من التغيير السيئ. ويتطلّب التغيير الإيجابي الذي نتسبب في إحداثه، وليس ذلك الذي يحدث دون أدنى جهدٍ من جانبنا، استراتيجية صحيحة. حيث نحتاج إلى نظام يتضمن عملية فعالة داخلية في المؤسسة لإحداث تغيير جيد ولتحديد التغيير السيئ. ويحدث التغيير حتى في حال عدم وجود قائد مؤثّر يخطط لإحداثه إلا أن هذا النوع من التغييرات التي تحدث دون إرادتنا لا تلقى ترحيباً حاراً منا.٨ ومن الممكن أن يكون هذا العصر من عدم الاستقرار غير مريح للناس الذين يفضلون أن تبقى الأمور على شكلها الأصلي المألوف والمفهوم والروتيني. وبما أن التغيير المستمر هو أمر مسلم به، يجب أن يصمم القائد على عمل التغيير والمضي به قدماً نحو الاتجاه الصحيح. ونستطيع أن نتنبأ بالمستقبل بشكل أفضل عندما نخترعه ولكننا لا نستطيع أن ننجح في هذا لو أننا طبقنا أي صيغة بشكل آلي من كتاب تعليمي فلم يكتب مثل هذا الكتاب بعد. وبغض النظر عن الكلمات التي نستخدمها لوصف أساليبنا وعدد الجداول وقوائم العمليات الرباعية الأجزاء التي نكتبها لاستحضار وهم دقة المقاييس، نحن لا نزال نرى المستقبل من خلال زجاج داكن. ولكننا نستطيع أن ننظر إلى ما نحتاج إليه الآن وخلال سنتين من الآن ثم نسعى لتحقيقه. ولو كرّسنا فترات طويلة من الوقت بانتظام للاجتماع مع الموظفين العاملين على كافة المستويات لنناقش الأفكار ونستعد للسنوات القادمة، ستتأكد شكوكنا بأننا لا نعرف الأجوبة لكل الأسئلة الجيدة. وسنكتشف أيضاً أن للعمل مفعول الدواء الشافي للقضاء على الإحساس بالخوف والعجز والغضب والتقلّب حيث لن نقف مكتوفي الأيدي لأننا لن نكون مجرد مسافرين في قطار لا دور لهم، بل مهندسين لهم تأثيراً على سير الرحلة. وبدلاً من التغيّر بمرور الوقت، يجب أن نعوّد أنفسنا على التغيّر قبل مرور الوقت بقليل وعمل ما في وسعنا لتوجيه التغيير في المسار الصحيح، خلال عملية التغيير وبهذا سنعزز حياتنا بهدفٍ بنّاء.٩
ونحن نأتي على نهاية المقال، نود أن نشير إلى جون و. جاردنر الذي تناول تعقيدات القيادة بعمق في كتاباته. وتكاد كلماته هذه تمثّل عقيدةً للقيادة: “ يجب أن نؤمن بأنفسنا وبمستقبلنا وأن لا نؤمن بأنّ الحياة سهلة. فالحياة مؤلمة وتهطل الأمطار على الأشخاص العادلين. ويجب على القادة أن يساعدوننا أن نرى الفشل والإحباط ليس لكي نشك في أنفسنا بل لنقوّي إرادتنا. ولا تدعو من الله أن يأتي اليوم الذي نحل فيه كلّ مشاكلنا بل أن تكون لنا الحرية لنستمر في العمل على حلّ المشاكل التي لن يتوقّف المستقبل عن رميها في اتجاهنا.١٠
وخلاصة القول فكل ما نستطيع أن نفعله لكي نصبح قادة واقعيون تتصفّ أعمالنا بالأخلاق الحميدة، كلّ ذلك يدعونا أن نستخدم أقصى ما لدينا من حريّة وأن نبذل كلّ ما في وسعنا لنحوّل مجاميع الأفراد إلى فرق عملٍ متماسكة تعمل بهدف التغلّب على المشاكل.١١ وسيتوجب ذلك بالضرورة الالتزام بكافة الأنشطة التي أشرنا إليها في هذه المقالة: مثل استيعاب مفاهيم القيادة والتعليم الخصوصي الصادق والتدريس ومعالجة نقاط الضعف لدينا والتدريب الدائم ورسم مستقبلنا بيدنا على كافة المستويات. وإذا أصبحنا أعضاء في فريق واحدٍ لا تفصلنا عن أفراده مصالح شخصية وعملنا كلّنا لمصلحة الفريق والمؤسسة التي يخدمها هذا الفريق، فستجد المعتقدات والنظريات المبهرجة عن القيادة حلولاً لها أو سنجد نحن حلولاً لها. وقد لا يكون بالإمكان درج القيادة الواقعية في معادلة ترد في كتاب منهاجي أو في رواية يحاول كاتبها أن يمنحنا الخلود عن طريقها إلا أنّ هذه القيادة موجودة وناجحة لأنها تحتضن مجموع الأشياء والأحداث الحقيقية التي يواجهها القادة كل يوم في حياتهم العملية.
[أرسل ملاحظاتك وآراءك على عنوان المحرّر البريدي
al.bendy@maxwell.af.mil ]
الملاحظات:
ليز ت. كسوربا، الثقة: الشيء الوحيد الذي يصنع أو يهدم القائد (ناشفيل: توماس نيلسون، 2004) ص 23-24. 1.
وارن بلانك، 108 مهارة للذين ولدوا قادة (نيويورك: أماكوم ،2001)
ص 13-14. 2.
جيمس م. كوزيس و باري ز. بوزنر، تحدي القيادة: كيف ننجز الأعمال فوق الاعتيادية في المنظمات ( سان فرانسيسكو: جوسي- باز، 1987) ص 15-16. 3.
أوسكار وايلد، صورة دوريان غراي، الفصل الثاني النص الإلكتروني رقم174، مشروع جتنبرج، http://www.gutenberg.org/diirs/etext94/dgray10.txt.
4.
رونالد أ. هيفتز ومارتي لنسكي، القيادة على المحك: البقاء على قيد الحياة رغم مخاطر القيادة (بوستون: مطبعة مدرسة هارفارد للأعمال، 2002) 208-9. 5.
جون تشارلز كيونخ و ريتشارد أ. ليستر ، صندوق أدوات الحياة للقادة (دالاس: مطبعة سكايورد، 2003) ص 71-73. 6.
بول هيرسي، كينيث ه. بلانكارد، إدارة التصرف في المؤسسات: قيادة الموارد البشرية، الطبعة الثامنة (نهر أبر سادل، نيو جيرسي: برنتيس هول، 2001) 229. 7.
ورن هراري، أسرار كولن باول في القيادة (نيويورك: ماكغرو-هيل، 2002) 23. 8.
ريك وارن، الحياة تسيّرها الأهداف: ما سبب وجودي هنا يا ترى؟ ( جراند رابدز، ميشيغان: زوندرفان، 2002) 312-14. 9.
جون و. جاردنر، حول القيادة (نيويورك: الطباعة الحرة، 1993) 195. 10.
جيفري أ. زنك، الحماية من الشاكوش : دليل إيجابي للقيادة التي تقوم على أسس القيم ( كولورادو سبرنغز، مطبعة بيك، 1998) 5. 11.
المساهمون
|
البروفيسور جون تشارلز كيونج (حاصل على شهادة البكالوريوس والماجستير من جامعة إلينوي- شيكاغو بالإضافة إلى شهادات عليا من كلية هارفرد للقانون وكلية القانون في جامعة جورج واشنطن). وهو أستاذ القانون في كلية أبالاتشيان Appalachian للقانون في غرندي، فيرجينيا حيث يقوم بتدريس دورات في الملكية والدفاع في المحاكمات وتعديل القوانين. وقد خدم في القوات الجوية كمحامي دفاع ونائب عام لدى قاضي المدعي العام Judge Advocate General (JAG). وعمل أيضاً معلماً في مدرسة قاضي المدعي العام JAG School ومستشاراً عاماً للضرائب وأضرار الممتلكات في المقر الرئيسي العام لقسم القضايا ومحامي البيئة والعمل في قيادة الفضاء التابعة للقوة الجوية والمستشار القانوني الأقدم لـ Falcon AFB في كولورادو. قام بتأليف خمسة كتب وكتب العديد من المقالات القانونية. والبروفيسور كيونخ من خريجي مدرسة ضباط السرية Squadron Officer School وكلية أركان القيادة الجوية وكلية الحرب الجوية. |
|
|
الدكتور ريتشارد أ. ليستير (حاصل على شهادة البكالوريوس والماجستير من جامعة أوبورن و الدراسات العالية في جامعة لندن وعلى شهادة الدكتوراه من جامعة فكتوريا في مانشستر في المملكة المتحدة) وهو عميد الشؤون الأكاديمية، Ira C. Eaker ِ في كلية التطوير المهني في الجامعة الجوية |
|
الصفحة
الرئيسية
للمجلة
العربية †للتعليق
أرسل
رسالة إلى
رئيس التحرير